محمد جواد مغنية

10

في ظلال نهج البلاغة

وبهذا يتبين معنا ان منهج التجريبيين في إثبات ما يثبتون للطبيعة من قوانين عامة ، ويرسلونه عليها من أحكام تشمل كل فرد من أفراد تلك الظاهرة ما كان منها وما يكون ، يتبين ان منهج التجريبيين هذا هو منهج القرآن في إثبات وجود اللَّه تعالى ، ومنهج العلماء باللَّه وبدينه . . واذن فلما ذا الإنكار والاستنكار ، وتسمية الإيمان باللَّه ايمانا بالغيب دون الأحكام العامة على الطبيعة أليس كل منهما يبتني على الحس والعقل ونقل عن ( ماكس بورن ) ان عقيدة ( اينشتاين ) الدينية تقوم على ايمانه بقدرة العقل على تخمين القوانين التي بنى اللَّه العالم بموجبها . وبقصد التوضيح أضرب هذا المثل : يقرأ الملحد كتابا فيعجبه ، ويؤمن بوجود المؤلف ، وانه من أهل الفهم والعلم ، ومعنى هذا انه انتقل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب . ومثله تماما من شاهد الكون العجيب ، وآمن بوجود المكون حيث انتقل كلّ منهما من الشهادة إلى الغيب . واذن كيف جاز للملحد أن ينكر على المؤمن ما أثبته هو لنفسه ، وأن ينقض ما أبرم ، أو يبرم ما نقض فإن جاز للعقل أن ينتقل مما شاهد إلى ما غاب في الطبيعيات - جاز ذلك أيضا في غيرها ، وان وجب عليه الوقوف عند المشاهدة فكذلك في كل شيء ، والفرق خطأ وتضليل . وأيضا تكلم الإمام ( ع ) عن الخلق والطبيعة بأرضها وسمائها ، وعن الانسان والشريعة ، والقرآن والسنة ، والفقراء والأغنياء ، وعن الجهاد والأخلاق ، والعقل والنفس والعلم ، وعن الدنيا وزينتها والموت وسكراته . . إلى ما لا يحصى كثرة . ومن استقرأ وتتبع نهج البلاغة يحس ان كل كلمة من كلماته تنطلق به من حيث لا يشعر إلى الايمان باللَّه ، والالتزام بدينه وشريعته ، أما حديث الإمام عن الموت وسكراته والقبر ووحشته وعن الحشر والنشر ، ثم الوقوف للحساب ، وعن الجنة ونعيمها والنار وجحيمها ، أما حديثه عن ذلك كله فيصح فيه القول : ان اللَّه هو المؤلف ، والإمام هو المخرج . العلم والعمل : يرى الإمام ( ع ) أن المصدر الأول لكل العلوم والمعارف حتى الوحي هو العقل وحده أو منضما إلى عنصر آخر كالحواس ، فإنها تدرك الأشياء المادية ، ولكنها قد تخدع الرائي ، والقول الفصل في خطئها وصوابها للعقل . فالعين - مثلا -